عبد القاهر الجرجاني

26

دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر )

وكَسبه ذمَّا ، لكان من حقَّ العيبِ فيه أن يكونَ على واضعِ الشعر أو مَنْ يُريدُه لمكانِ الوزنِ خُصوصاً ، دونَ مَنْ يُريدُه لأمر خارج منه 1 ، ويطلبه لشيء سواه . تمام الدفاع عن الشعر : فأما قولُك : إنَّك لا تستطيعُ أن تَطْلُبَ منَ الشعر ما لا يُكْرَه حتى تَلْتبِسَ مما يُكرهُ ، فإِنّي إِذاً لَمْ أَقصدْه من أجلِ ذلك المكروهِ ، ولم أُرِدْه له ، وأردْتُه لأَعرف بهِ مكانَ بلاغةٍ ، وأجعلَه مِثالاً في براعةٍ ، أو أَحْتَجَّ به في تفسير كتابٍ وسُنَّة ، وأَنظرَ إلى نَظْمه ونَظْم القُرآن ، فأرى موضعَ الإِعجازِ ، وأقفَ على الجهة التي منها كان ، وأتبيَّنَ الفصْلَ والفُرقان 2 فحقُّ هذا التلبسِ أن لا يُعتدَّ عليَّ ذنباً ، وأَنْ لا أُؤَاخَذَ به ؛ إذْ لا تكونُ مؤاخذةٌ حتى يكونَ عَمْدٌ إلى أن تُواقِعَ المكروهِ وقَصْدٌ إليه 3 ، وقد تَتَّبعَ العلماءُ الشعوذةَ والسِّحْر ، وعُنُوا بالتَّوقُّفِ على حِيَل المُموِّهين 4 ؛ ليَعْرفوا فَرْقَ ما بينَ المُعجزة والحِيلة ، فكان ذلك منهم مِنْ أعظمِ البِرِّ ، إذْ كان الغرضُ كريماً والقَصْد شريفاً . هذا ، وإِذا نحنُ رجَعْنا إلى ما قدمنا منَ الأخبارِ ، وما صحَّ من الآثارِ ، وجَدْنا الأمرَ على خلافِ ما ظَنَّ هذا السّائلُ ، ورأَيْنا السبيلَ في منع النبي صلى الله عليه وسلم الوزنَ ، وأنْ يَنْطلق لسانُه بالكلامِ المَوْزونِ ، غيرَ ما ذهبوا إليه . وذاك أنه لو كان مَنْعَ تنزيهٍ وكراهةٍ ، لكانَ يَنبغي أن يُكْرَه له سماعُ الكلامِ موزوناً ، وأن يُنَزَّهَ سَمْعُه عنه كما نُزِّه لسانُه 5 ، ولكان صلى الله عليه وسلم لا يأمُرُ به ولا يَحثُّ عليه ، وكان الشاعر لا يعان

--> 1 في المطبوعة : " خارج عنه " . 2 سياق الكلام : " فإِنّي إِذاً لَمْ أقصدْه من أجلِ ذلك . . . . فحق هذا التلبس . . . . " . 3 " قصد " معطوفة على " عمد " . 4 في " س " : " الوقوف على " . ط 5 في المطبوعة : " كما ينزه " .